الشيخ السبحاني
92
مفاهيم القرآن
ثم إنّ القسيس « أنار كلي » مؤلف كتاب « مشكاة الصدق » الذي طبع في لاهور سنة 1901 م قد بسط الكلام في هذا الباب ، فهو - بعد أن طرح الشبهة في كتابه واستشهد بآيات من القرآن على مزعومه - قال : إنّ محمداً كلّما طالبه قومه بأن يأتي لهم بمعجزة لاذ بالصمت ، أو تهرّب من ذلك الطلب ، مكتفياً بقوله : « إنّما أنا بشر مثلكم » و « إنّما إنا منذر » إلى غير ذلك من العبارات . وسوف نقوم بتحليل هذه الآيات التي استند إليها « أنار كلي » في مزعومه . أجل هكذا سعى الكتّاب المسيحيون إلى إنكار معاجز الرسول ، ونفوا أن تكون له معجزة أُخرى سوى القرآن ، فهل هم على حق فيما يزعمون ؟ بكل تأكيد لا ، لأنّ المحاسبة العقلية - قبل أيدليل - تفنّد هذه المزعمة ، وتثبت نفس المحاسبة أنّ الرسول الأعظم كان صاحب معاجز أُخرى عدا القرآن الكريم ( معجزته الخالدة ) ، وإليك بيانها . * المحاسبة العقلية تفند مزعمة القساوسة : إنّ الرسول الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصف نفسه بأنّه خاتم الأنبياء ، وأنّ رسالته خاتمة الرسالات ، وكتابه خاتم الكتب ، حسبما أوردنا أدلّته في الجزء الثالث من هذه السلسلة . « 1 » ثم أخبر عن وقوع معاجز على أيدي الرسل والأنبياء ، حيث قال في شأن موسى عليه السَّلام : « وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آياتٍ بَيّناتٍ » . « 2 » وقال أيضاً : « وَأَدْخِلْ يَدَكَ فَي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلَى فِرْعَونَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ » « 3 » . ثم إنّه عندما يتحدّث عن المسيح ودعوته ، يصفه بوحي من اللَّه بقوله : « وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إسْرائيل أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ إِنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبّئكُمُ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ » . « 4 »
--> ( 1 ) لاحظ مفاهيم القرآن : 3 / 118 - 180 . ( 2 ) الإسراء : 101 . ( 3 ) النمل : 12 . ( 4 ) آل عمران : 49 .